الشيخ عبد الغني النابلسي

78

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

المتقدمين عليهم السلام وذلك في وصف العلم الإلهي اللدني الذي هو الولاية . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء وورثتي وورثة الأنبياء » « 1 » ، وقال : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا [ فاطر : 32 ] الآية . وما ثم ، أي هناك في العلماء ميراث في ذلك ، أي في العلم النبوي إلا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام الشرعية الأصلية والفرعية في الاعتقاد وفي العمل بالكشف عن ذلك في الكتاب والسنة فشرعوه للأمة المحمدية شريعة نبيهم ، فيأتي كل ولي وارث كامل بالفهم الجديد لا بالشرع الجديد ، كما يأتي المجتهد بالمذهب الجديد لا الدين الجديد ، والمشارب تختلف بالأذواق والحق واحد في عين الكل ، والكل طرق إليه ولا خطأ في الفهم الجديد عند الولي الوارث لقوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ( 109 ) [ الكهف : 109 ] ففهوم كلمات الرب لا تنحصر على الأبد ، ولهذا ورد في الحديث أنه يقال للمؤمن في الجنة حيث يقرأ القرآن : « اقرأ وارق » « 2 » ، لأنه كلما قرأ فهم فهما جديدا فيرقى به مرتبة في الشهود لم يكن عليها والكل صواب ، لأنه معنى الكلمات الإلهية بخلاف مذهب المجتهد في العمل الظاهر فإنه يخطئ ويصيب كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد » « 3 » وسبب الخطأ من المجتهد استعمال عقله فيما اجتهد فيه من الدليل الشرعي ، والعقل قاصر فتارة يصيب بمعونة إلهية ، وتارة يخطئ فتنة له من اللّه تعالى ، وهو مثاب على كل حال ، لأنه ما استعمل عقله في هواه وإنما استعمله في أصول شرعه المأمور باتباعه ، وسبب عدم خطأ الولي الوارث في فهمه أصلا لأنه ما استعمل عقله في ذلك الفهم ، وإنما فرغ المحل بعد طهارته من الأغيار وتنظيفه منها وتطييبه بالأذكار الإلهية والحضور التام ، وقعد ينتظر ما يفيض عليه من كرم ربه من علوم الإلهام ، فهو مصيب على كل حال ويسمى مجتهدا ، وإنما يسمى عالما باللّه وعارفا . * * *

--> ( 1 ) رواه القزويني في التدوين في أخبار قزوين ، [ 2 / 8 - 129 ] . ( 2 ) رواه الترمذي في سننه ، باب 18 ، حديث رقم ( 2915 ) [ 5 / 178 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن آخر منزلة القارئ في الجنة . . ، حديث رقم ( 766 ) [ 3 / 43 ] ورواه غيرهما . ( 3 ) روى نحوه البخاري في صحيحه ، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب . . ، حديث رقم ( 6919 ) [ 6 / 2676 ] وروى نحوه مسلم في صحيحه ، باب بيان أجر الحاكم . . ، حديث رقم ( 1716 ) [ 3 / 1342 ] وروى نحوه غيرهما .